مباشر

عاجل

راديو اينوما

لبنان بين مؤسّسٍ سبق عصره... ونموذجٍ استنفد زمنه

28-07-2026

مقالات مختارة

None

أنطوان العويط 

يقول الفيلسوف الإسباني خوسيه أورتيغا إي غاسيت إنّ الإنسان لا يملك تاريخاً ليسكنه، بل تاريخاً يعبره. فالإرث ليس بيتاً مغلقاً نحتمي بجدرانه، ولا متحفاً نعلّق فيه أمجادنا، بل حركة دائمة لا تسمح للأمم بأن تعيش الزمن نفسه مرتيْن.

ولعلّ أعظم ما يميّز رجال التأسيس أنّهم لا ينظرون إلى الماضي بوصفه نهاية، بل بوصفه بداية. فهم لا يسألون فقط ماذا كنّا؟ بل يسألون قبل ذلك ماذا يجب أن نصبح؟ ولهذا كان البطريرك الياس الحويّك، عندما عمل على إنشاء لبنان الكبير، رجل مستقبل قبل أن يكون رجل تاريخ. كان قارئاً لتحوّلات عصره، مدركاً أنّ الأوطان لا تُبنى باستعادة خرائط الأمس فحسب، بل بامتلاك القدرة على مواجهة ما سيأتي.

وهنا تكمن المعضلة التي تقف أمام لبنان اليوم. فالأمم تفقد مكانتها عندما تعجز عن قراءة الزمن الذي تغيّر من حولها. إنّها تموت مرّتيْن. مرّة عندما ينتقل العالم إلى مرحلة جديدة، ومرّة عندما ترفض هي مغادرة المرحلة التي انتهت.

ما يواجهه لبنان في العمق هو نهاية نموذج عاش عقوداً طويلة، حتّى تحوّل في الوعي الجماعيّ إلى ما يشبه القدر. نمط قام على أدوار كانت مناسبة لعالم سابق: مصرفٌ إقليميّ، ومرفأٌ تجاريّ، ومنبرٌ ثقافيّ وإعلاميّ، وجسرٌ بين الشرق والغرب.

لكنّ العالم الذي أنتج هذه المكانة لم يعد موجوداً. وهو لم يعد يبحث فقط عن موقع جغرافيّ أو قطاع مصرفيّ مزدهر، بل عن بيئات ابتكار واقتصادات رقميّة وتشريعات حديثة. ولم تعد المنافسة بين الدول تقوم على الخدمات التقليديّة وحدها، بل على المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على إنتاج المستقبل.

المشكلة، إذاً، ليست أنّ لبنان فقد كلّ مقوّماته، بل أنّه لا يزال يحاول استعادة دور تغيّرت شروطه التاريخيّة. وهنا يقع الفرق بين دولة تقرأ الزمن، ودولة تحاول إيقافه. والتاريخ مليء بأمم لم تسقط بسبب ضعفها وحده، بل بسبب عجزها عن تغيير أدواتها. فالإمبراطوريّة العثمانيّة حاولت إدارة القرن التاسع عشر بعقليّة القرن السادس عشر، والاتّحاد السوفياتيّ تمسّك ببنية لم يعد العالم مستعدّاً للعيش داخلها. وفي المقابل، نهضت ألمانيا واليابان بعد الحرب العالميّة الثانية لأنّهما امتلكتا شجاعة إعادة بناء الذات والقطيعة مع المنظومة التي قادتهما إلى الكارثة.

هكذا، لا يكافئ التاريخ من يحرس الذكريات، بل من يحوّل التجارب إلى طاقة جديدة. وهذا هو الدرس الذي يفرض نفسه على لبنان اليوم. ومن هنا، فإنّ التحوّلات التي يشهدها وطننا اليوم قد تكون أكثر من مجرّد أحداث سياسيّة متفرّقة. فالمفاوضات المتعلقة بالانسحاب الإسرائيليّ، وما يرتبط بها من تأكيد على قيام دولة تحتكر قرار السلم والحرب وتمارس سيادتها على كامل أراضيها، ليست مسألة أمنيّة فقط. إنّها اختبار لقدرة لبنان على الانتقال من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء الدولة.

والتحدّي اللبنانيّ لا يكمن فقط في حماية ما تبقّى من عناصر القوّة، بل في تحويلها إلى أدوار جديدة. فالجغرافيا، في القرن الحادي والعشرين، لا تمنح الدول مكانة تلقائيّاً، بل تصبح قيمة عندما تتحوّل إلى رؤية استراتيجيّة ومشاريع ومؤسّسات.

ولعلّ هذا ما يفسّر أيضاً عظمة تجربة الحويّك. فخلف الرؤية السياسيّة والفكريّة، كان هناك بطريركٌ قدّيس يحمل وجع شعبٍ كامل، لا حسابات طائفة؛ شعبٍ أنهكته الحروب والمآسي والمجاعة والإبادة، ويبحث عن إطارٍ يحفظ وجوده وكرامته وحريّته، ويمنحه القدرة على دخول زمنٍ جديد.

وعندما ذهب إلى مؤتمر الصلح في باريس، لم يحمل معه مجرّد مطالب جغرافيّة، ولم يسعَ إلى إعادة عقارب التاريخ إلى الوراء، بل حاول قراءة التحوّلات الكبرى التي كانت تعيد رسم المنطقة بعد سقوط الإمبراطوريّة العثمانيّة، ليُنجز ولادة كيان جديد.

لقد فهم أنّ نهاية مرحلة قد تكون بداية فرصة. لذلك لم يكن لبنان الكبير بالنسبة إليه مجرد استرجاع للجغرافيا، بل مشروع كيان قائم على فكرة وهوّية ورسالة، قادر على أن يجد لنفسه مكاناً في عالم جديد.

ومن هنا، فإنّ أفضل وفاء للحويّك هو في فهم الدرس الذي حمله. الأوطان لا تعيش بحراسة الماضي، بل بقدرتها على تجديد أسباب وجودها. وهو كان عظيماً لأنّه امتلك الجرأة على التفكير خارج حدود اللحظة التي عاشها.

ولم تتجمّد تلك الرؤية عند لحظة الولادة، بل وجدت اكتمالها المؤسّسي مع تجربة الرئيس فؤاد شهاب، الذي حدّث الدولة وأرسى قواعدها؛ لكنّ المفارقة أنّ الزمن، بعده، لم يواصل مساره، بل ظلّ يستلهم تلك اللحظة المضيئة من دون أن ينجح في تحويلها إلى بداية لمسار جديد.

واليوم، يقف لبنان أمام امتحان مشابه، وإن اختلفت الظروف. فالمطلوب هو بناء لبنان قادر على المنافسة في القرن الحادي والعشرين. لبنان الدولة، لا لبنان التسويات؛ لبنان المؤسّسات، لا لبنان مراكز القرار المتعدّدة؛ لبنان المبادرة، لا لبنان الانتظار.

إنّ أخطر ما يمكن أن يصيب وطناً ليس أن يخسر مرحلة، بل أن يرفض الاعتراف بأنّ المرحلة انتهت. فالتأسيس ليس حدثاً وقع مرة واحدة وانتهى، بل فعل متجدّد. وكلّ جيل يُمنح لحظة يختبر فيها قدرته على إعادة قراءة زمنه وصناعة مستقبله.

وكما كان الحويّك رجل اللحظة التي سبقت عصره، فإنّ التحدّي أمام اللبنانيين اليوم هو أن يصبحوا رجال ونساء اللحظة التي تستحقّ عصرها. فالأوطان لا يحميها الذين يقدّسون الماضي، بل الذين يمتلكون شجاعة العبور منه. والتاريخ لا يخلّد من حافظوا على ما ورثوه فقط، بل من امتلكوا القدرة على إضافة فصل جديد مشرّف إلى كتابه.

services
متجرك الإلكتروني في أقل من عشرة أيام!

انطلق من حيث أنت واجعل العالم حدود تجارتك الإلكترونية…

اتصل بنا الآن لنبني متجرك الإلكتروني بأفضل الشروط المثالية التي طورتها شركة أوسيتكوم؛ أمنًا، سعرًا، وسرعة.
اتصل بنا

This website is powered by NewsYa, a News and Media
Publishing Solution By OSITCOM

Copyrights © 2023 All Rights Reserved.